Now Reading
مأزق الاتفاق مع إيران… حين يصبح التفاهم تهديداً لبنية النظام

مأزق الاتفاق مع إيران… حين يصبح التفاهم تهديداً لبنية النظام

26/5/2026

في الوقت الذي تتحرك فيه أطراف إقليمية ودولية متعددة للضغط على طهران بهدف خلق مناخ يسمح بالانتقال إلى مفاوضات قد تفضي إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو مسألة إنجاز هذا الاتفاق، في جوهرها، شديدة التعقيد، وربما أقرب إلى الاستحالة السياسية منها إلى التسوية الممكنة. لا يعود ذلك فقط إلى تشظي منظومة صنع القرار داخل إيران واتساعها، ودخول أطراف متعددة إلى ساحة القرار، بل أيضاً إلى طبيعة المعطيات القائمة على الأرض، والتي تعني أن أي اتفاق محتمل قد يتحول إلى تهديد مباشر للأدبيات التي قام عليها النظام الإيراني نفسه.

فالتفاهم مع الولايات المتحدة لا يُنظر إليه داخل بنية النظام باعتباره تسوية سياسية عابرة، بل كتحول جذري يمس الأسس العقائدية والسياسية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية، والمبنية تاريخياً على العداء لواشنطن ومواجهة سياساتها. ومن هنا، فإن أي اتفاق يتضمن عملياً إعادة صياغة لدور إيران الإقليمي، ووضع برنامجها النووي وآلياتها المالية تحت مستويات مختلفة من الرقابة الدولية أو الأمريكية، سواء عبر مراحل رفع العقوبات، أو الإفراج عن الأموال المجمدة، أو مراقبة النشاط النووي.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الحراك الإقليمي الجاري لإقناع إيران بتقديم تنازلات، أو حتى حالة الاستنفار الباكستاني، بوصفه حراكاً سياسياً إيجابياً بالمعنى التقليدي. فالمشهد أقرب إلى دبلوماسية طوارئ ورسائل ضغط وتحذير متبادلة أكثر منه إلى تهيئة لمسار تفاوضي مستقر. كما أنه يكشف في الوقت ذاته حجم التعقيد داخل البنية الإيرانية نفسها. فقائد الجيش الباكستاني، على سبيل المثال، يتحرك بين مراكز قوى متعددة داخل إيران وكأنه ينتقل بين جزر سياسية منفصلة، في محاولة لإقناع أطراف مختلفة بضرورة الانتقال إلى مرحلة تفاهمات جديدة.

لكن هذه الصورة بحد ذاتها تعكس المعضلة الأساسية؛ فالقرار في إيران لم يعد قراراً مركزياً بسيطاً، بل بات عملية معقدة ومتعددة المستويات، تتداخل فيها المؤسسة العسكرية والأمنية والدينية والسياسية، ما يجعل الوصول إلى اتفاق أمراً بالغ الصعوبة، فيما يبدو الالتزام به، إن أُنجز، أكثر تعقيداً وربما شبه مستحيل في ظل التركيبة الحالية للنظام.

الأهم أن الفريق الأكثر نفوذاً داخل إيران ينظر إلى أي اتفاق باعتباره هزيمة استراتيجية مؤجلة. فالهزيمة، بالنسبة لهذا التيار، لا تبدأ قبل الاتفاق، بل بعده، مع بداية تآكل مركز القوة العقائدي والسياسي الذي يستند إليه النظام. وحتى لو جرى تقديم أي تفاهم باعتباره انتصاراً سياسياً أو اقتصادياً، فإن جوهر التنازلات المطلوبة سيبقى، بالنسبة لهذا التيار، مرادفاً للخسارة والانكسار.

وتزداد المسألة تعقيداً بسبب البعد العقائدي والديني الذي يحكم رؤية هذا الفريق، والقائم على سرديات دينية ورمزية تجعل التعايش مع أي صيغة تسوية طويلة الأمد أمراً شديد الحساسية. لذلك، فإن المعضلة لا تتعلق فقط بإمكانية الوصول إلى تفاهمات حالية، بل بإمكانية التعايش مستقبلاً مع إيران بشكلها الحالي بعد أي اتفاق محتمل.

وفي المقابل، فإن إيران، مهما حصلت على ضمانات، ستبقى أسيرة شك عميق تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً في ما يتعلق بإمكانية عودة الحرب أو استئناف عمليات استهداف النظام مستقبلاً. فمؤسسات الدولة الإيرانية تدرك أن التحدي الأخطر والمؤجل لا يكمن فقط في وقف الضغوط الخارجية، بل في كيفية إدارة الواقع الداخلي الجديد، وقدرتها على احتواء أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة.

ومن هنا أصبحت الأزمة متعددة المستويات: من العلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى احتمالات الاستهداف العسكري مستقبلاً، وصولاً إلى قدرة النظام نفسه على إدارة شؤونه الداخلية ومنع تفكك التوازنات القائمة داخله.

أما استراتيجية “التفاوض على المفاوضات” التي تعتمدها طهران حالياً، فقد تتحول تدريجياً إلى عبء عليها أكثر من كونها ورقة قوة. فقد بُني جزء كبير منها على التلويح بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وعلى التمسك بملف اليورانيوم المخصب كورقة ردع وضغط، إلا أن هاتين الورقتين بدأتا تفقدان فعاليتهما تدريجياً.

فملف مضيق هرمز يتجه نحو تدويل متسارع، مع تنامي التوافقات الدولية حول ضرورة حماية الملاحة الدولية ومنع تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز سياسي. كما أن إصرار إيران على الاحتفاظ باليورانيوم المخصب يعزز الرواية الأمريكية والدولية التي تعتبر أن بقاءه داخل إيران يمثل اقتراباً من امتلاك قدرة نووية عسكرية، ما يدفع الملف إلى مستويات أكثر حساسية وخطورة على المستوى الدولي.

وفي هذا السياق، قد يتحول بقاء اليورانيوم المخصب داخل إيران إلى تهديد للنظام نفسه أكثر من كونه مصدر تهديد لخصومه، لأنه يمنح خصوم طهران مبررات سياسية وأمنية لاستمرار الضغوط، وربما لإعادة فتح باب المواجهة العسكرية في أي لحظة.

لكن خلق مناخ يسمح بفتح باب المفاوضات لا يُقرأ من الزاوية الإيرانية فقط، بل من زاوية أمريكية أيضاً تحمل حسابات أوسع وأبعد. فالحديث عن إطار تفاوضي أو اتفاق مرحلي لوقف الحرب يأتي في توقيت شديد الحساسية إقليمياً ودولياً، مع اقتراب موسم الحج، حيث إن مجرد احتمال توسع الحرب وانعكاساتها على حركة الطيران والأمن الإقليمي ومسارات النقل قد يمثل سيناريو بالغ الخطورة بالنسبة لحلفاء واشنطن في المنطقة. كما أن الولايات المتحدة تنظر أيضاً إلى الاستحقاقات الدولية الكبرى المقبلة، وفي مقدمتها ضمان استقرار البيئة الإقليمية المحيطة بالمنطقة، باعتبارها جزءاً من حساباتها الاستراتيجية المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية.

See Also

وفي الوقت نفسه، فإن وقف الحرب لا يعني بالضرورة تخفيف الضغط على إيران، بل قد يمنح القوى الدولية التي تعهدت بحماية الملاحة في مضيق هرمز مساحة أوسع للاضطلاع بدور أكثر فاعلية في فرض وقائع جديدة في المنطقة. كما أن نقل مركز الثقل من الحرب المباشرة إلى الملف النووي يعني عملياً توسيع دائرة الضغط الدولي على إيران، وإعادة بناء جبهة سياسية أوسع وأكثر صرامة ضد مشروعها النووي، بما قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من العقوبات والعزلة الدولية.

ومن زاوية عملية، فإن ترك إيران لمواجهة واقعها الداخلي لا يقل خطورة عن مواجهتها بالحرب نفسها. فتعميق الأزمة الداخلية، واستمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع قدرة الدولة على احتواء الاختلالات البنيوية، كلها عوامل قد تدفع تدريجياً نحو تهيئة بيئة داخلية أكثر هشاشة وقابلية للاضطراب والحراك والاحتجاج. وعليه، فإن أي اتفاق لوقف الحرب قد لا يشكل إعلان خروج للنظام من أزمته، بقدر ما قد يتحول تدريجياً إلى بداية مرحلة تأزم داخلي أكثر عمقاً وتعقيداً.

وفي المحصلة، فإن محاولات استثمار عامل الوقت، أو تعميق أزمة الطاقة والملاحة، أو التلويح بتهديد دول الخليج، قد تمنح إيران بعض الأوراق التكتيكية قصيرة المدى، لكنها لا تبدو قادرة على تغيير الاتجاه الاستراتيجي العام. فالولايات المتحدة وإسرائيل تعملان بشكل متواصل على إبقاء خيار العودة إلى الحرب قائماً، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن كسر الجمود قد لا يتحقق إلا عبر ضغوط قصوى، سياسية وأمنية وربما عسكرية، تستهدف مراكز التشدد والبنية الحيوية للنظام، بالتوازي مع إعادة تشكيل البيئة الداخلية الإيرانية.

ومن هنا يمكن قراءة منشور الرئيس الأمريكي الذي وضع العلم الأمريكي فوق خارطة إيران باعتباره رسالة سياسية تتجاوز الرمزية المباشرة، باتجاه التأسيس لفكرة السيطرة على مفاتيح الأزمة الإيرانية وإدارة مساراتها مستقبلاً. بدءاً من فك الحصار والسماح بتصدير النفط، مروراً بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وصولاً إلى التأثير في شكل التوازنات الداخلية المقبلة. وبذلك تبدو واشنطن وكأنها لا تسعى فقط إلى اتفاق مع إيران، بل إلى فرض رؤيتها على مستقبل المشهد الإيراني نفسه، وعلى طبيعة المرحلة التي ستأتي بعد الأزمة.

د.عامر السبايلة

 

What's Your Reaction?
Excited
0
Happy
0
In Love
0
Not Sure
0
Silly
0
Scroll To Top